إن ما يحدث في الموالد عند الأضرحة و"المقامات" من ممارسات تتنافى مع مقاصد الدين، قد تحوّلت إلى طقوس تخلط بين العبادة والعادة، وتنتج عنها مشاهد عبثية تسيء إلى ديننا الحنيف وتشوه صورته، بل تفتح الباب أمام الخرافة والتضليل والجدل الذي لا ينتهي.
ولا يختلف أحد على مكانة آل بيت النبوة والصالحين، رضوان الله عليهم ، ومحبتهم في نفوس الأمة عامة، والمصريين خاصة. وقد احتضنت مصرنا العزيزة الآلاف منهم على مدار تاريخها، ولكن احترام هؤلاء لا يقتضي قبول كل فعل يُرتكب بجهالة وحماقة باسم محبتهم. فالدين ليس مجرد مظاهر وطقوس، والإيمان لا يمت بصلة إلى زيارة الأضرحة والتمسح بها، أو التقرب إلى أصحابها، أو بالرقص وارتفاع الأصوات وكثرة الزحام، أو بالمشاهد التي تجذب الكاميرات.
إن الأصل الذي ينبغي التمسك به هو سلامة العقيدة من كل شرك، وعدم التقرب إلى المقبورين بما هو من خصائص العبادة، والالتزام الكامل باتباع السنة النبوية المشرفة. فلم نجد أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم من الصحابة الكرام قد أقاموا الموالد، أو تراقصوا أمام قبر سيد الأنبياء، وذروة الصلاح والإصلاح، محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أرسى العقيدة المنزهة عن كل شرك، أو تناشدوا بطلاسم الكلمات؛ بل التزموا باستقامة السلوك ومعالي أخلاق الإسلام.
الأزهر يقول كلمته لتبديد الجهالة
تتمثل الخطورة الأساسية في المظاهر التي ظهرت في الموالد بمختلف أنحاء الجمهورية، خاصة ما حدث مؤخرًا في مولد السيد البدوي. وقد وصفه بعض المؤرخين وكثير من علماء الأزهر ، بأنه من غلاة الشيعة، وأنه فقد عقله في أواخر عمره، وكان يظهر للعامة عاريًا تمامًا ويتبول عليهم. وللأسف، وقع الكثير ممن يزورون هذه المقامات في اعتقادات باطلة وتجاوزات شرعية واضحة.
فهناك فرق جوهري بين من يزور القبور ليتذكر الموت والآخرة، ويدعو الله وحده ، وبين من ينسب إلى صاحب القبر قدرة مستقلة على جلب النفع أو دفع الضر، أو يتعامل مع المكان باعتباره وسيلة مضمونة لتحقيق الأمنيات، بمعزل عن صحيح العبادة والعمل والأخذ بالأسباب.
وقد أجمع العلماء على أن أصل العقيدة الإسلامية واضح في أن الله وحده هو مالك النفع والضر، وأن الدعاء عبادة ينبغي أن تُصان من الالتباس والانحراف. وهنا، أؤكد أنني ضد أتهام هؤلاء جميعًا بالشرك ، لكنهم يقعون تحت وطأة الجهل وسوء الفهم،ويعذرون بالجهل، ويحتاجون إلى مَن يعلمهم صحيح دينهم، لا إلى مَن يحكم على نياتهم؛ فالحكم على الأفعال شيء، والحكم على عقائد الأفراد ومقاصدهم شيء آخر، ولكل منهما ضوابطه العلمية والشرعية.
أما بالنسبة إلى التأصيل الشرعي لحرمة بعض الممارسات الخاطئة عند المقامات والأضرحة، فنذكر هنا فتوى للشيخ محمود شلتوت، شيخ الأزهر الأسبق، عندما سُئل عما يحدث عند المقامات والأضرحة، فقال: "ومهما قال عُشاق الموالد، والمُتكسبون بها ومُروِّجوها، من أن فيها ذِكْرَ الله والمَواعظ وفيه الصدقات، وإطعام الفقراء، فإن بعض ما نراه فيها ويراه كل الناس، من ألوان الفُسوق وأنواع المَخازي، وصور التهتُّك، والإسراف في المال، ما يُحتِّم على رجال الشئون الاجتماعية، وقادة الإصلاح الخُلقي والديني المبادرة بالعمل على إنْهائها ووضْع حدٍّ لمَخازيها، وتطهير البلاد مِن وَصْمَتِهَا، ولقد صارت بحقٍّ، لسُكوت العلماء عنها، مباءةً عامة تُنتهك فيها الحُرمات، وتُراق في جوانبها دماء الأعراض، وتُمسخ فيها وُجوه العبادة، وتُستباح البِدَعُ والمُنكرات، ولا يقف فيها أرباب الدِّعارة عند مظهر أو مظهرين من مظاهر الدعارة العامة، وإنما يُنكرون ويَبتدعون ما شاء لهم الهوَى من صور الدعارة المُقوِّضة للخُلق والفضيلة، ومِن أشد ما يُؤلم، أن نرى كثيرًا من تلك المناظر الداعرة تُطوِّق في المدن معاهدَ العلم والدين ومساجد العبادة والتقوى، على مَسْمَعٍ ومرأى من رجال الدين أرباب الدعوة والإرشاد" .
وأضاف الشيخ شلتوت: "أما وضع الشمع والقناديل على مقامات الأولياء وكسوتها، فينبغى أن يعرف أولاً أن الدين الحق لا يعرف شيئاً يقال له (مقامات الأولياء) سوى ما يكون للمؤمنين المتقين عند ربهم من درجات، وإنما يعرف كما يعرف الناس أن لهم قبوراً، وأن قبورهم كقبور سائر موتى المسلمين يحرم تشييدها وزخرفتها، وإقامة المقاصير عليها، وتَحرم الصلاة فيها وإليها وعندها، وبناء المساجد من أجلها، والطواف بها ومناجاة من فيها والتمسح بجدرانها وتقبيلها والتعلق بها" . وقد وردت هذه الفتوى، في كتاب فتاوى كبار علماء الأزهر الشريف حول فتاوى زيارة الأضرحة والقبور والنذور، صفحة 19.
لماذا تنتشر هذه الممارسات؟
لا يمكن تفسير ما يحدث في بعض الموالد بالجهل وحده، رغم أن ضعف الوعي الديني يمثل عاملًا أساسيًا. فهناك أسباب اجتماعية ونفسية وثقافية وسياسية متداخلة، في مقدمتها انتقال العادات عبر الأجيال من دون إخضاعها للفهم والنقد، بحيث يكتسب السلوك شرعيته في نظر صاحبه لمجرد أن الآباء والأجداد مارسوه.
ويضاف إلى ذلك أن بعض الناس يلجأون إلى الموالد هربًا من مشكلات الحياة وضغوط الفقر والمرض والبطالة، فيبحثون عن وهم الطمأنينة والأمل والاستجابة السريعة لحاجاتهم عند الأضرحة والمقامات. وعندما يغيب الخطاب الديني المستنير بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، الذي يوازن بين الرجاء في رحمة الله والعمل والأخذ بالأسباب، قد تجد المبالغات والخرافات طريقها إلى عقول البسطاء.
كما استغل بعض محترفي وسائل التواصل الاجتماعي هذه المشاهد لبلوغ ذروة الانتشار وتحقيق آلاف الدولارات، على حساب العقيدة والثوابت. وقد أسهم انتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي في تحويل بعض المشاهد المثيرة إلى مادة للتداول والمنافسة، حيث تنتشر المقاطع الصادمة أسرع من الشرح العلمي المتزن الذي يوضح الحقائق ويبدد ظلمات الجهل.
ولا ينبغي كذلك إغفال المصالح المادية التي قد تنشأ حول بعض المواسم، حين تتداخل التجارة والاستعراض مع الاحتفال الديني، فتتراجع حرمة الشرائع والعقائد أمام حسابات الربح والشهرة، ويصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين التعبير الشعبي عن المحبة وبين استغلال مشاعر الناس وحاجاتهم.
تورط رموز دينية في نشر الخرافات
لقد رأى كثير من المصريين تورط بعض الرموز الدينية في الدعاية لهذه الخرافات والممارسات القائمة على الجهل؛ فمشاركتهم قد تُفهم على أنها إقرار بما يجري حولهم. فالمكانة العامة للعالم أو الداعية تمنح سلوكه تأثيرًا يتجاوز شخصه.
ولا يختلف اثنان على عظمة التصوف الحقيقي المنزه عن الشركيات، والمتعالي بالنفس عن الشهوات المحرمة، والدافع إلى الالتزام بالذكر المنضبط بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، والباعث على التزهد في الدنيا، والداعي إلى العمل الجاد لإعفاف النفس وبناء الأوطان؛ لا التصوف الداعي إلى الانعزال عن المجتمع والعيش عالةً على الناس، بحجة الترفع عن ترف الدنيا.
وهنا، علينا أن نطالب المؤسسات الدينية الرسمية بالقيام بدورها التوعوي المنظم لمواجهة الممارسات التي تثير الالتباس وتسيء إلى صورة التدين. فوجود الموقف العلمي في الكتب والمواقع الرسمية للمؤسسات الدينية لا يكفي وحده، إذا لم يصل إلى الجمهور في المكان والوقت المناسبين، وباللغة التي يفهمها الناس.
فالمطلوب من الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية أن يتجاوزا الاستجابة الموسمية والبيانات العامة إلى برنامج مستمر للتوعية، يتضمن خطبًا واضحة، وندوات ميدانية قبل الموالد وأثناءها، ومحتوى رقميًا قصيرًا يشرح للناس ما يجوز وما لا يجوز، وكيف يميزون بين التوقير المشروع والغلو، وبين الدعاء لله والممارسات التي تخلط المفاهيم.
الجهالة وخطرها على الفكر المصري والعقيدة الإسلامية
لا تتوقف نتائج هذه الممارسات عند حدود مناسبة شعبية؛ إذ قد تسهم في ترسيخ فهم شكلي للدين، يختزل التدين في حضور المواسم وأداء الطقوس، ويضعف الصلة بين الإيمان والعمل والأخلاق والمسؤولية الاجتماعية.
كما أن انتشار الاعتقادات غير المنضبطة قد يجعل بعض الناس أكثر عرضة للاستغلال باسم الكرامات والبركات، ويضعف قدرتهم على التمييز بين النصيحة الدينية والتجارة بالمشاعر.
وهذا يمثل خطرًا على الفكر المصري الذي تشكل تاريخيًا عبر تفاعل الدين والثقافة والعلم والتقاليد الشعبية. فالمطلوب ليس محو الذاكرة القيمية والثقافية، ولا تحويل كل عادة موروثة إلى مقدس، وإنما بناء وعي قادر على احترام التاريخ والثوابت والهوية، والاستفادة من كل اجتهاد ديني وعلمي جديد.
وعلينا أن نميز بين التراث الذي يستحق الحفظ، والممارسات التي ترسخ المعتقدات الدينية الصحيحة والفكر القويم، وبين الموروثات التي تدفع الأمة إلى الغرق في الجهالات والخرافات.
إن صيانة العقيدة لا تتحقق بالصراخ أو الاتهامات المتبادلة، بل بالتعليم الديني الرصين، وإحياء قيمة العقل، وترسيخ أن كرامة الإنسان لا تنتقص حين يُصحَّح له خطأ، وأن محبة الصالحين لا تعني تعطيل العقل أو تجاوز حدود العبادة.
دور الإعلام في مواجهة خرافات الأضرحة والمقامات
يقع على عاتق الإعلام دور محوري في مواجهة الخرافات والممارسات المغلوطة التي تحدث حول بعض الأضرحة والمقامات، من خلال نشر الوعي الديني الصحيح، وتفنيد المعتقدات الخاطئة بالعلم والحجة، بعيدًا عن التهويل أو السخرية من البسطاء. كما ينبغي للإعلام استضافة علماء الدين المتخصصين لتوضيح الفارق بين محبة الصالحين والغلو فيهم، وبين التدين الصحيح والممارسات التي لا تستند إلى أساس شرعي. ويتعين على الإعلام الرقمي التصدي للمقاطع المضللة، والتحقق من الوقائع قبل نشرها، بدلًا من استغلالها لتحقيق المشاهدات والانتشار، بما يسهم في حماية الوعي المجتمعي وصيانة العقيدة من التضليل والخرافة.
إن القضية ليست حربًا على الأولياء والصالحين الحقيقيين، ولا خصومة مع التصوف الصحيح المنضبط بالسنة النبوية المشرفة، بل هي دعوة إلى استعادة المعنى الحقيقي للتدين الصحيح، بحيث تصبح الموالد والمناسبات الدينية ساحات للأخلاق والذكر والعلم والتراحم، لا منصات للخرافة أو الاستعراض أو المهاترات.
ومن واجب المؤسسات الدينية أن تملأ الفراغ المعرفي بخطاب واضح ومقنع، ومن واجب الرموز الدينية أن تدرك أثر حضورها وكلماتها، ومن واجب الإعلام أن يتحقق من الوقائع قبل تضخيمها، ومن واجب المجتمع أن يرفض استغلال البسطاء باسم الدين.
-------------------------------
بقلم: د. هاني صلاح الدين






